الرئيسية / مقالات / الوداع الأخير 3-3

الوداع الأخير 3-3

بقلم: أ.فاطمة العثمان

كيف كان لها أن تستقبل هذا الخبر ؟
كيف لها أن تستجمع قواها لتسطر لنا لحظاتها الأخيرة في فقد ابنها .. تواصل الكاتبة في جزئها الأخير من الوداع الأخير قائلة:

“…خرجْتُ من تلك الغرفة مذهولة ، أحمل قدميَّ حملا . . ماذا أفعل ؟! إلى أين أذهب ؟! إلى من التجئ ؟! إلى من؟!
ولم أجد غيرك يا إلهي ، أنت ملجئي وملاذي.. أخذت أدعو وأصرخ .. أرسل رحمتك علينا وتلطف به وبنا .

    تحسرت على ذلك الفتى الذي كان مفتونا بنفسه وكنت مفتونة به ، تحسرت على شبابه ، تحسرت على أحلامه وأمنياته ، أحلام وأمنيات لطالما حدثني بها ، شهادة علمية تمناها ، وزوجة وأبناء رسمهم في خياله ، أحلام وأمنيات صغيرة ومتواضعة ، بريئة كشخصه الجميل البريء .

   لملمت نفسي وأحزاني وانتظرت تجهيزه ولا زال الذهول يأخذ مني كل مأخذ ولم أعد أدري مالذي يحدث من حولي ، كنت خائرة القوى ، وجسمي لم يعد يحملني .

    سقطت في بحر من الأحزان تتقاذفني أمواج الأسى والحسرة ، كنت في صراع مع الحياة ؛ وكان خالد في صراع مع الموت . لتنتصر إرادة الله فأحيا ، وتنتصر إرادة الله ويموت . كنا في غرفتين منفصلتين لكن أرواحنا تقاسمت الزفرات والعبرات ،وكيف لا نتقاسمها . وقد كان في يوم من الأيام ، يسكن أحشائي ، فتقاسمنا معا كل شيء حتى الهواء.

ووصلت لمرحلة أصبح فيها عقلي عاجزا عن التفكير في أي شيء سوى خالد ، ونسيت كل شيء ، فلم أعد أذكر في الوجوه غير وجه خالد ولم أعد أذكر في الأسماء و الحروف سوى حروف اسمه.

نظرت حولي سألت.. خالد
ليأتي الخبر.. خالد ……….؟!؟!

ماذا أكتب ؟! وكيف سأعبر؟؟!
أين سأجد كلمات تعبر عما شعرت به في تلك اللحظة؟

      أعود فأستجمع قوتي مرة أخرى ،هل توجد في قاموس اللغة العربية كلمات يمكنها أن تعبر عما شعرت به في تلك اللحظة.. لا أظن ومن هول الصدمة ، شعرت أن كل شيئ في الكون توقف ، عقلي ؛ قلبي ؛ حتى الأرض توقفت عن الدوران؟! الحياة توقفت ، واكتست حلة سوداء .

    عجز قلبي وعقلي عن الاستيعاب ، ولم أتقبل فكرة أن خالد لم يعد على قيد الحياة وأنه قد فارقها.

      كان لابد أن ألملم أشلائي المبعثرة ، وأستجمع كل قوتي حتى أستطيع أن أصل إليه ،وأنظر إليه النظرة الأخيرة ، وأودعه الوداع الأخير ،  ويالقساوة الحروف ويا لبشاعة الكلمات .. وها أنا مسندة لوداعك الوداع الأخير ، أمشي وأنا خائرة القوى مذبوحة الروح ، مكسورة الوجدان .

أتذكر يوم مولدك .
يوم أتيت إلى هذه الحياة
وقد كنت مولودا بريئا ، باكيا ، عاريا ، ألبسوك قطعا من قماش أبيض وحملوك إليّ كي أراك وأقبلك وأستقبلك ، كان هناك أمل فرح ، فقد كانت حياة تبتدئ ، واليوم… ها أنت ترحل منها وقد أصبحت شابا ، يافعا فتيا ، وعاريا !!  إلا من أكفان بيضاء ألبسوها لك ،وها هم يحملوني إليك لكي أراك ، وأقبلك ، وأودعك . لكن اليوم يأس ؛ حزن ؛ بكاء ودموع ؛ وحياة تنتهي .
وكان المشهد المريع …!!؟؟

     غرفة تفوح من أرجائها رائحة الموت ولكن أين هو….؟؟! هناك ؛ مسجيا ، مكفنا، مستسلما ، جسد بلا روح.

     أخذته بين ذراعي ، ضممته إلى صدري ، ولأول مرة لم يلفني بذراعيه ، ولم يقبل رأسي كما كان يفعل ، ولأول مره أضمه ولا أسمع دقات قلبه ، ولأول مرة أضمه ولا أشم رائحة أنفاسه .. أهذا آخر عناق يجمعنا يا خالد؟  أهذا آخر لقاء ووداع ؟!

أنا اليوم أودعك ، وأودع معك أحلامك جميلة كم تمنيت أن تحققها ،كم تمنيت أن أراك تقف بين زملائك وكأنك الفارس المنتصر مرتديا ( المشلح ) وتحمل في إحدى يديك شهادة علمية ، وبيدك الأخرى تلوّح لي وأنا انظر إليك مبتهجة ؛ سعيدة ؛ أذرف دموع الفرح..

وهذا حلم آخر ، حلم وأي حلم ، حلم كل أم مثلي ..إنها ليلة عرسك ، أراك فيها  ترقص فرحا بين أهلك ومحبيك وكأنك البدر في ليلة تمامه ممسكا بيد عروسك ، وأنا انظر إليك سعيدة ، ولكن للأسف ضاع الحلم الجميل ..

  و ها أنا أراهم اليوم يحملونك فوق أكتافهم جثمانا يشيعونك إلى مثواك الأخير في الدنيا و أنظر إليك مفجوعة ،ملتاعة ، مكلومة ، أذرف دموع الحزن والأسى .

     وأنا الآن وبعد مرور أيام طوال على رحيلك ، مازلت أتجرع كأس المرارة والحسرة انظر حولي فأرى طيفك في كل زاوية وركن من أركان بيتنا .. البيت الذي شهد مراحل عمرك القصير ..  هذا سريرك أصبح خاليا إلا من بقايا رائحة عطر في وسادتك ، وهذه خزانة ملابسك ، أصبحت فارغة إلا من كلمات خطيتها بيدك للذكرى وكأنك كنت تعلم انك سترحل وستبقى هي .
هذه نظارتك ، وهذا كتابك وتلك أوراق خططت فيها عبارات عذبة لأمك وهذه مذكراتك !!..

هذا قلمك وهذه دفاترك
وهذا عطرك وهذه ساعتك

فسلام لك من رحم ضمك جنينا في أحشائه ،
وسلام لك من صدر أرضعك محبة وحنانا من قبل أن يرضعك غذاء ،
وسلام لك من عين لاحظتك وأنت تكبر وتترعرع حتى أصبحت فتى ؛
وسلام لك من قلب كان وجودك له فرحه وأصبح فراقك عنه حسرة
سلام لك وعليك .. يامن كنت كغمامة بيضاء مليئة بالرحمة يا فرحة سنيني وأيامي .

رحلت يا خالد
رحلت  وفراقك أدمى قلوبنا ، رحلت عن دنيانا ؛ ولكن عزائي الوحيد ؛ أنك في جوار ربك عند ملك الملوك ؛ عند ذي الجلال والإكرام الرحمن الرحيم ؛ عند من هو أحنّ عليك مني سبحانه ، فارقد قرير العين مطمئن ؛ فأمك راضية عنك تمام الرضا ومنتهى الرضا، تدعو لك ليل نهار مع كل إشراقة شمس ومع كل غروبها ؛ أن يجعلك الله من أصحاب اليمين، تنعم في جنات الفردوس في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود ، وماء مسكوب ، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وأسأله تعالى أن يجمعني بك في مستقر رحمته.. إلى لقاء ليس بعده فراق .

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

“تم القبض”

بقلم: أ. حاتم فياض ” …والله لو تحطون الغرامة مليون احنا ما نقدر نجلس بالبيت…” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

X