الرئيسية / مقالات / (اللكنة تنهش جسد الضاد)

(اللكنة تنهش جسد الضاد)

لغتنا لغة القرآن الكريم والتي تزدان وتتألق بمسمى ” لغة الضاد” وذلك كنايةً عن الجمال والروعة والتفرد بامتياز لوجود الضاد عن كل لغات العالم، فالناطقون بالعربية ينتشرون في أصقاع الدنيا منذ فجر التاريخ وقد امتازت العربية بألفاظها المتناسقة والمترادفة والمتضادة… كما كانت الأعراب على اختلاف الأمكنة وتباعد الأمصار إلا أن اللغة العربية تغلب على الألسن مهما تدارجت معها اللكنات واللهجات المتعددة للقبائل والأقطار وانتشرت آنذاك الفصاحة والبلاغة وبرز الشعراء في ضروب متنوعة وأخذ الأدب العربي يتطور ويتعايش مع المراحل المتعاقبة قبل الإسلام وأثناءه وفي الدول المتتابعة وصولًا لجيلنا الحاضر واللغة العربية هي السمةُ البارزة في ميادينه وكافة علوم النحو والصرف والبلاغة والنثر مع تفاوت درجات الإبداع بين العربي والعربي.

” لغة الضاد ” ظلت لقرون صامدة بفضل الله ثم بمجهودات واجتهادات علماء عرب أسسوا العديد من العلوم اللغوية والتي جعلت منها مجالًا خصبًا للباحثين والمتعلمين من عشاق العربية سواءً من أبنائها أو من الغربيين الذين أُعجبوا بها وأدهشتهم رصانتها وفصاحة المنتمين لها.. لكن هذه اللغة العظيمة في عصرنا الحالي وصلت لمرحلة مأساوية وفقدت هويتها وتلاشت إبداعات المنتسبين لها إسمًا المبتعدين عنها قولًا وممارسة حتى أصبحت لغةً غريبة وغير مألوفة حتى في أوساط العرب أنفسهم لدرجة أن البعض أو الأغلب من العرب ينعت من يتحدثها في كل مكانٍ وزمان ” بالمجنون” أو المعتل نفسيًا وآخرون قد يصفوا من يطول حديثه بالفصحى بأنه فيلسوف أو نحوي ولا غرابة في ذلك فالضاد باتت غريبة بين اللكنات المتنوعة واللهجات المختلفة باختلاف الشعوب العربية والإسلامية.

دائمًا نردد : بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما كان… والعربية كذلك ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالإسلام منذ بزوغ أنواره وتسامت وارتقت مع انتشار رقعة الإسلام ولا عجب في أن ينالها من الغرابة مايطاله من التغريب والحداثة التي شلّت الأطراف ونهشت الجسد وقصّت الأجنحة حتى عاد كالطير مقصوصًا جناحاه.. لقد اختلت لغتنا اختلالًا واضحًا جليًا ولهذا الاختلال وعدم الاتزان أسباب عديدة ومسببات كثيرة ولعل أبرزها هو مايسمى “باللكنة” أو اللهجة الدارجة في كل مكان وبقعة تقع ضمن خارطة عالمنا العربي الكبير حيث تجد في كل بلد عدد وافر من اللهجات شمالًا وجنوبًا، غربًا وشرقًا وحتى في المنطقة الواحدة تختلف لهجة سكان السهول عن سكان الجبال ويتكرر هذا المشهد في كل دولة عربية.. هذه اللهجات وعلى الرغم من كثرتها وانتشارها لأنها أشبه ماتكون بالموروث الشعبي الذي تتوارثه الأجيال وقد تحدثت عن بعضها الكتب والمؤلفات التاريخية ويتم كذلك إدراجها في مناهج التعليم العالي لكنها على المستوى الاجتماعي أصبحت فوضى عارمة وبذلك أصبحت الألسن تلهج بالعامية وتترك العربية الفصحى بل أهملها الجميع ولم تعد متداولة ومن يُتقنها ويتحدث بها قلة قليلة وفي مناسبات محدودة جدًا وفي نطاقٍ ضيق بل أن معظم هؤلاء قد يتلعثم أو يصاب بالتأتأة أثناء أدائها.. لغتنا العربية الأصيلة تحتاجنا لتبقى قوية وتستمر في عنفوانها وتعود لها هيبتها ولدينا من يستطيع ذلك من المهتمين بها والذين كانوا ومازالوا يخوضون في ميادين اللغة العربية شعرًا ونثرًا، قصةً وروايةً، خطابةً وإلقاءً، وميادين التعليم خير شاهد ولا نحتاج سوى التفعيل والتفاعل لدعم أمثال هؤلاء ليصنعوا لنا أجيالًاجديدة تجدد أمجاد لغتنا الجميلة لتبقى خالدةً وتحمل أمجاد العروبة الأصيلة.

رسالتي لكل معلم ومعلمة لأي مادة من المواد التعليمية فلنحرص على محادثة الطلاب باللغة العربية الفصحى ولنسعى للابتعاد عن اللهجات أثناء الدروس التعليمية من أجل لغة الضاد التي باتت غريبة والتحدث بها مستغرب مع اللكنات المتنوعة وهذا أقل واجب يلزمنا لدعم لغتنا في مدارس التعليم كافة والتي تعتبر منبع المعارف والعلوم ومنطلق التأصيل والتأسيس … الموظفون والموظفات ، العاملون والعاملات في شتى المجالات لماذا لا تكون لغتنا العربية هي الدارجة على ألسنتنا في كل تعاملاتنا ومعاملاتنا دون الاكتراث بالمنتقدين أو المستهزئين؟!
هل جربنا ذلك؟ لعل وعسى أن تكون تجربة فريدة من نوعها وناجحة حد النجاعة في الرقي بلغة الضاد عن اللكنات المتناثرة والتي دعت للحزبية والعرقية والتعييب بين بعضنا البعض!!

الشيء بالشيء يُذكر فقد حضرت ملتقى اللغة العربية الثاني في إدارة تعليم صبيا قبل أسبوعين تقريبًا من تاريخ هذا المقال.. وبقدر ما أعجبني وأدهشني بعض المتحدثين في هذا الملتقى ببلاغتهم وفصاحتهم ولغتهم الرائعة بقدر ما تضايقت من أساليب البعض الآخر من المحسوبين على اللغة العربية كمختصين لكنّ لكناتهم غلبت لغة الضاد ونهشت جسدها ببعض الألفاظ الدارجة والتي تتسبب في تغيير معنى ومفهوم الكلمة العربية!!! وفي مجمل ذلك الملتقى خرجت بانطباع رائع لوجود أمثلة حيّة لأشخاص لهم مكانتهم في تعليم صبيا ويعتبرون نماذج لغوية في غاية الروعة والجمال وقامات في الإبداع اللغوي مما يبعث على الفخر والزهو والاطمئنان على لغة الضاد.

✍🏻 بقلم : سالم جيلان

عن سالم جيلان

بكالوريوس لغة عربية ، معلم لغتي للمرحلة الإبتدائية ، كاتب مقالات ومحرر صحفي ومدقق إملائي ولغوي في بعض الصحف الإلكترونية ، متعاون مع عدد من الجهات كمنسق إعلامي ، مشرف شراكة مجتمعية ومنسق إعلامي في مكتب تعليم صبيا .

شاهد أيضاً

الوطنية برؤية موظف

بقلم محبة الوطن: فاطمة حمدي.      أن تعيش في وطن وتقدم له الولاء والعرفان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *