آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / مابين أميرٍ وإمام 1-2

مابين أميرٍ وإمام 1-2

بقلم: أ. أفنان جميل

     كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري : ‏( إذا وصلكَ كتابي هذا فعِظني وأوجز .. والسلام).

 ‏فكتب له الحسن :
‏(وصلَ كتابك “اعصِ هواك “.. والسلام)

     عن الأمير العادل عمر بن عبدالعزيز أبدأ الحكاية أم بالحسن البصري إماماً زاهداً فصيحاً ، ولا يضرُّ بأيهما بدأت فلكلِ واحدٍ منهما شأنٌ عظيم .

    الرجلُ النبيلُ صاحب الأخلاق الرفيعةِ وحميد السجايا عمر بن عبدالعزيز أمير المؤمنين وخليفة المسلمين في عصر الدولة الأموية، كان زاهداً بالخلافة لولا أن عهِد إليه الخليفة سليمان بن عبدالملك ذلك ،ومما يُذكر أنه حين استخلف الناس خطب فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملًا، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    فأحسنَ وأجاد تولي زمام الخلافة على أكمل صورة بالعدل وحسن الرعاية والمساواة وإجتهادهُ في إحقاق الحقِّ وإزهاقُ الباطل وأخلاقه الكريمة التي كان بها يتعامل مع الرعية ومن إحدى صور تواضعهِ أنه لا يرتضي أن يقوم له إذا خرج على الرعية أو الحرس فيقول : لاتبتدؤوني بالسلام ،إنما السلامُ علينا لكم .

    تواضعٌ وإحسان وفيضٌ من مكارم الأخلاق وإن تساءلت منبعها ستجد أن ذلك قبس من نور الوحي الذي جاء به محمد صلوات ربي عليه، وما عمر بن عبدالعزيز إلا حفيد صاحبه عمر بن الخطاب الفاروق الذي أضاء زوايا العالمين بخلافته الرشيدة وانتصاراته المبهرة ، فعلى مرِّ التاريخ نجدُ عُمرينِ أضاءَا الدُّنيا عدلاً وسلاماً.. فالأول عمر الفاروق والآخر من صلبهِ عمر بن عبدالعزيز ،فللحفيد نصيبٌ من شجاعة وعدل وأخلاق ذلك الجد العظيم الذي بُشّر برؤية صالحة بخليفةٍ من صلبه سيأتي من بعده يملأُ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً .

    تخيّل أن الحياة تفتح جميعُ أبوابها لك وتتزيّن وتظهرُ لك بألهى طلّة وتقولُ هيت لك ، يا ترى بماذا سيخفقُ قلبك ؟! رغبة الإنكباب عليها واللهفة أم الإعراض والرفض والزهدِ بها ؟! أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز لم تضعف نفسهُ عند كل مفاتن هذهِ الدنيا فأبى وأعرض عنها وزهِد بما فيها طمعاً إلى ماعند خالق الدنيا .. و يحكى في ذلك أن رجاء بن حيوة قال: أمرني الخليفة عمر بن عبدالعزيز أن أشتري له ثوباً بستة دراهم، فاشتريته له، فجسّه فقال: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً..!  قال رجاء: فبكيت.قال: فما يبكيك؟ قال رجاء: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمئة درهم فحبسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة، وأتيتك وأنت خليفة بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً.. فقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة، تاقت إلى فاطمة ابنة عبدالملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة، فأرجو أن أدركها إن شاء الله تعالى.

    فيا لعلو النفس حين تتوق وإلى أيِّ شيءٍ تتوق ! توّاقةٌ لما يرضي الله عنها توّاقةٌ للخير والإحسان وترك الأثر بأحسنِ مايكون ،وإن تاقت روحها إلى الجنة فتتوق إلى الفردوس الأعلى منها وذلك مبتغاها .

     ويطول الحديثُ في ذكر ِشمائله ويجمع كل ذاك في مقولة محمد بن علي بن الحسين “أما علمتَ أن لكل قومٍ نجيباً ونجيب بني أمية عمر بن عبدالعزيز”.

    تلكم الحكاية ومضات من سيرة الأمير المتواضع نجيبُ الأمة.. فيا ترى ما قصة الإمام الواعظ في عهده ؟!

    في حكايتنا القادمة ان شاء الله.

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

كن صديقي

بقلم: د.سعود المصيبيح.     الصداقة الخالصة نهر من الروعة والعاطفة والعطاء..!     الصداقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *