آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / حكاية أندلسية

حكاية أندلسية

بقلم : أ. حاتم فياض.

    أحب الشاعر ابن زيدون ولادة بنت المستكفي حبا أضرم في نفسه نارا متأججة لا تهدأ وغراما كوى جوانحه وهدد سفينة قلبه فلم ترفأ وأثار عواصف شديدة في فؤاده فلم يبرأ هيا بنا عزيزي القارئ نتعرف حكايته وما صار في روايته وما أثار حفيظة محبوبته وكيف هام بها ابن زيدون حبا وصار بها صبا..

    كانت ولادة بنت المستكفي بارعة الحسن فائقة الجمال يفتتن بها كل من يراها وتأسر بسحرها كل من ينظر لها وكانت أميرة أندلسية وهي إحدى الشاعرات المجيدات، كانت تنافس الشعراء وتخاطب البلغاء جعلت قصرها لرواد الأدب ومحبيه أبوابا مفتوحة وكانت بذلك هانئة مربوحة يقال أنها كتبت على فستانها بماء الذهب:

أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تيها
أمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطى قبلتي من يشتهيها..(نقله بن خلكان في وفيات الأعيان)

    قابلت ابن زيدون ووقع في غرامها وصار لها عاشقا ولِهًا، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن ولادة أميرة شابة بنت خليفة جميلة صافية الذهن شاعرة، من يراها ولا يحبها! وبادلت ابن زيدون حبه حبا أدبيا شاعريا عذريا؛ لكن شأن كل القصص الحالمة والخيالات الواعدة انقض بنيانها وهوت دعائمها..

   لم يا ترى هوت هذه القصة؟

   يقال ان ابن عبدوس الذي كان ينافس ابن زيدون وشى به عند ولادة وأنه يحب جاريتها الرسول بين الإثنين ويقال أن ابن زيدون أحبها فعلا لأنها كانت بارعة في الغناء سمراء رقيقة الملامح.. وفي هذا تقول ولادة :

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تهوِ جاريتي ولم تتخيرِ
وتركت غصنا مثمرا بجماله
وجنحت للغصن الذي لم يثمرِ
ولقد علمت بأنني بدر السما
لكن دُهيتُ لشقوتي بالمشتري

   أي إبداع في التصوير يا ولادة! وانظر حفظك الله لقولها وتركت غصنا – الذي لم يثمر، هي شقراء تتفجر الدماء من وجهها وجاريتها! ما جاريتها لا يظهر لها ملمح ولا تبدو لها مشاعر من وجهة نظر ولادة، ثم تتخلى عن كبريائها قليلا وتقول له ماذا فعلت لك يابن زيدون لتصد عني وتتركني هَمَلًا:

لحاظُكم تجرحُنا في الحشا
وَلَحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرحٍ فاِجعلوا ذا بذا
فما الّذي أوجبَ جرح الصدود

   وتراها أحيانا تسبه بأقذع لفظ وأفحش لغة أعزك الله لتجعله يرد عليها لكن ابن زيدون كان عاشقا لها حتى وإن أراد أن يغيظها بغيرها فيقول لها :

هل تذكرون غريبا عاده شجن
من ذكركم وجفا أجفانه الوسن
يخفي لواعجه والشوق يفضحه
فقد تساوى لديه السر والعلن
يا ويلتاه أيبقى في جوانحه
فؤاده وهو بالأطلال مرتهن

    ويخاطبها في نونيته الخالدة ( أضحى التنائي) مخاطبة المحب الواله والعاشق المتيم قائلا :

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
أن طالما غير النأي المحبينا

    ثم يقول لها :

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

   لكن كيف انتهت قصتهما؟

إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا
مكتوبة، وأخذنا الصبر تلقينا

    يقال أن ابن زيدون لما كبر في السن عفا عنه الخليفة وأخرجه من السجن وكانت ولادة حينئذ في الثمانين من عمرها؛ لكنها لم تغفر خيانته لها مع جارية لا تستحق أن تنافسها في حبيبها، ومات كل منهما بعيدا عن الآخر وبهذا دفنت قصة الحب الأندلسي بين حب وغرام وعشق وهيام تخللها حقد وحسد ضغينة وكراهية للعازل بينهما ابن عبدوس وغيره ممن نافسه في حب ولادة..

 ياله من عصر أدبي فني راقٍ يجعلك تعيش فيه بين طيات الأوراق ورحيق الكلمات!

وبهذه الحكاية الرقيقة نختم هذه السلسلة اللطيفة من الحكايات التي نرجو أن تكون قد نالت استحسانكم..

    وكل عام وأنتم بخير

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

كن صديقي

بقلم: د.سعود المصيبيح.     الصداقة الخالصة نهر من الروعة والعاطفة والعطاء..!     الصداقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *