الرئيسية / مقالات / تصريح طارئ ..!

تصريح طارئ ..!

بقلم: أ. عبدالله آل جبار

    في بداية شهر أبريل الماضي وخلال الهجمة الشرسة لفيروس كورونا وفي ذروة انتشار المرض، كان قرار “الحظر الكلي” الذي أقرته السلطات، تجربة جديدة على سكان مملكتنا الحبيبة وبه نوع من الصدمة النفسية، خصوصاً ما عُرف عن السعوديين بأنهم شعب اجتماعي ومضياف لدرجة أنهم ربما ينفقون نصف معاشاتهم وأموالهم او أكثر، على المناسبات الاجتماعية والتجهيز والاستعداد لها.

    وتم رصد كثير من المشاعر المختلطة بين الخوف والحذر والحزن في بداية تنبيه وزارة الصحة، بوجوب التباعد الجسدي ووقف الأنشطة الاجتماعية .. تفهمنا القرار وبناءً على ذلك اتفقت أنا وعائلتي في اجتماع مع زوجتي وأبنائي أن ننظم برنامج داخلي، يتم فيه تقسيم الوقت ما بين النوم والقراءة والجلسات الثقافية ومشاهدة فيلم عائلي، وغيرها من الأنشطة التي تشغل وقتنا وتنسينا العالم الخارجي.

   كانت المعنويات رائعة والحماس مرتفع لخوض هذه التجربة، وانطلق المشروع فعلاً وقسمت الأدوار وبدأنا بالاستعداد بشراء المستلزمات الضرورية والمواد الغذائية لفترة كافية، وفي اليوم التالي بدأ الحظر وسار البرنامج كما هو مخطط له .. كانت الأيام الأولى تمر بطيئة في مجملها ولكن نقطع الوقت بسيف الأنشطة وهكذا حتى اليوم الرابع بدأت العجلة بالتباطؤ ودب الملل في نفوس الجميع تدريجياً، وأصبح لكل شخص برنامجه الخاص والهروب للنوم هو الملاذ من “الطفش”.

    في اليوم السادس من بداية الحظر الذي استمر “21 يوما” احتجت لبعض المواد الغذائية، في الحقيقة لم تكن ضرورية بقدر حاجتي النفسية للخروج “لأتنفس”، وقررت أن أطلب تصريح تموين طاريء لمدة ساعة من منصة “توكلنا”، خرجت مسرعاً ومتشوقاً لرؤية الشوارع والناس وكنت في نفس الوقت متهيباً من هذا المرض الذي أقض مضاجع الدول والشعوب.

    كان الحي هادئاً وتهيأ لي بأنه مظلم قليلاً! ذهبت للسوبر ماركت في آخر الحي، دخلت فلم أجد الا الكاشير وحيداً ويبدو على ملامحه الشعور بالوحدة والخوف من انتشار الفيروس، فقد كان الخوف مسيطراً لدرجة كبيرة في بداية الجائحة ..فرح بدخولي ووقف مستقبلاً سلمت عليه وتجاذبنا اطراف الحديث مع تسلحنا بأداوت الاحتراز والسلامة، لم يدم الحديث طويلاً فلم يكن هناك ما نتحدث عنه إلا من قبيل “كفانا الله وإياكم شر هذا المرض .. آمين” أخذت ما أردت، واتجهتُ راجعاً للمنزل حينها تذكرت حديقة الحي المجاور التي كنت أقصدها دوماً للرياضة والتنزه مع عائلتي فأردت أن أراها.

    حين وصولي كانت بوابة الحديقة مقفلة والأنوار مطفئة نزلت لأرى عن قرب ومشيت قليلاً حول السور الخارجي للحديقة، كانت نسائم شهر إبريل الباردة ورائحة الأشجار العليلة تغمر المكان، وشعرت بأنني لا أريد مغادرة هذا المكان الهاديء الذي أحببته وقضيت فيه سابقاً أجمل الأوقات، جلست على مقعد في ركنها الخارجي لأستمتع بالهدوء لاحظت أن القطط حول المكان كانت تنظر لي بإندهاش وكأنني زائر غريب!! فهي لم ترى أحداً منذ أسبوع تقريباَ ..

     تذكرت أن بيت صديقي مطل على الحديقة اتصلت عليه فأخبرته بأني موجود في هذا المكان، ثواني قليلة فإذا به يخرج مع الباب ويقف ويبستم، ابتسمت له ورفعت يدي محيياً له ورفع يده رداً على تحيتي، وكأننا نتبادل نظرات المساجين من خلف الاسلاك الشائكة يا الله .. هذا من أعز اصدقائي منذ أيام الطفولة لا استطيع مصافحته أو الالتقاء به! في هذه الاثناء وصلت لي رسالة بأن وقت التصريح على وشك الإنتهاء، ودعت صديقي “عن بعد” وركبت سيارتي واتجهت للبيت خوفاً من ال “10 آلاف” ريال التي أرعبت الجميع.

    حين وصلت اجتمع عليّ افراد العائلة وكأنني أتيت من “السماء” وينظرون لي بغبطة وابتسامات .. أصدرت لهم توجيهاً بصوت عالٍ عند دخولي للمنزل “لا أحد يقترب مني” ذهبت لأغتسل وأزيل عني ما علق بي من “فيروسات” ومن “وسوسة” ..!

   في اليوم السابع استئنفنا البرنامج الداخلي الذي انقطع وكأني به صمد فترة أطول من الفترة السابقة وبدأنا نتأقلم مع الحظر النفسي الكلي، وها نحنُ الآن نكافح ونتعايش مع الأزمة الكورونية في شهرها السادس وما زالت …!

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

وطني .. روحي فداهُ

بقلم: أ. عبير باجهموم – جدة      روحي وما ملكت يداي فداهُ …وطني الحبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *