الرئيسية / مقالات / تصريح طارئ..! (2)

تصريح طارئ..! (2)

بقلم: أ. عبدالله آل جبار

    “تورونا” تلهمك الصبر الجميل..

    ومما زاد الأمر سوءاً خلال ذلك الحظر الكلي في شهر أبريل .. ألا أحد من المعارف أو الأصدقاء هوّن على المحيطين به أو كان ناصحاً مرشداً متفائلاً، بل عمّ الإحباط في البشر وضرب القلق قلوب الناس ولاحظت ذلك في مكالماتهم وفي رسائلهم عبر وسائل التواصل، أما القنوات التلفزيونية والإعلامية فحدث ولا حرج، فقد أصبحت وكأنها “بث مباشر” لمختبرات علماء الأمراض المعدية والأحياء الدقيقة، فكل برامجها عن ذلك الفيروس وكيف ينتقل وكيف يقتل وطريقة دفن الجنائز.! وكأنهم يتسابقون ويتفنّون في كيفية إنهاء حياتك.

    كان ظهور معالي وزير الصحة توفيق الربيعة في تلك الأيام وتوقعه بوصول عدد الحالات إلى 200 ألف حالة في المملكة ؛ “القشة التي قصمت ظهر البعير”.

    في خضم هذه الأحداث المفزعة وصلتني رسالة من صديق عزيز عبر “الواتس أب” يقول فيها “الحمدلله على كل حال أصبت انا وأخي ووالدتي بكورونا” عندها لم أتمالك نفسي وبلا إرادةٍ مني سقطت دمعة حزن وفراق .. وكأنهم رحلوا عن الدنيا.!

   كنت الموجّه والمرشد والطبيب لعائلتي نصائح مستمرة؛ تنظيف على مدى اليوم، أحاول قدر الإمكان الظهور بمظهر المتماسك نفسياً مع إحساسي في داخلي بأنني مهتريء ومتعب، لا أنسى ذات يوم عندما غفوت “وما أكثرها” في مجلس استقبال الرجال، وفاجأني طفلي ذو الست سنوات وقد لبس أفضل ما لديه من ملابس، وعندما فتحت عيني وجدته أمامي يطلب مني أن أوصله لبيت أجداده فقد اشتاق لهم، ودار بيننا نقاش حاولت فيه أن أشرح له أن هذا ممنوع وسيقبضون علينا، وأن هذه الجائحة عامة على كل الناس ، ولكن لم أستطع إقناعه وكان مصرّاً أن “تورونا” كما يسميها “ما تقدر تاكل بابا” ولا يعلم أن أبوه يرتعد خوفاً من “تورونا”.!

    تذكرت مقولة قرأتها سابقاً: “الأزمات المؤقتة تعلمك كيف تتماسك.. والازمات الكبيرة تلهمك الصبر الجميل”، وما أكثر الدروس التي تعلمناها من هذه الأزمة ؛ ومنها ملاحظتي للتغير التدريجي في مزاج الناس وبدء تفاعلهم وزيادة قوتهم في تلقي الأخبار المحزنة، والأعداد المتزايدة يومياً للإصابات، أصبح التواصي بالدعاء وقراءة القرآن مكثفاً خصوصاً مع قرب شهر رمضان المبارك، كنت أرى اليقين والإيمان ينمو في قلوب المسلمين، كنت أشعر به وأراه فيمن حولي مطبقين عملياً قوله تعالى “..لا ملجأ من الله إلا اليه..”الآية..

    أتذكر أنه عند وصولنا إلى اليوم الخامس عشر بدأت الرسائل تتغير وبدأ الناس يخرجون “بالتصريح الطارئ” ، ويصورون مغامراتهم الجريئة للذهاب إلى “البقالة”، قلّ الخوف وتماسكت القلوب وسبحان من جعل الإنسان هذا الكائن العجيب يتأقلم ويتكيف مع جميع الظروف ؛ حروباً شرسة وأمراضاً قاهرة وأجواء متطرفة، ويبقى الإنسان يلملم نفسه ويجمع شتاته، ولا أنسى مقولة أحد العلماء المشرفين على الفيلم الشهير الحديقة الجوراسية بأن “الحياة تجد لنفسها طريقاً”.

    أرجو لكل من يقرأ أن يكون مع نهاية الأزمة، قد وجدَ لنفسه طريقاً جديداً وجميلاً.

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

الوطنية برؤية موظف

بقلم محبة الوطن: فاطمة حمدي.      أن تعيش في وطن وتقدم له الولاء والعرفان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *