المعلم

بقلم: أ. عطية بن جابر الثقفي
في : ١٨ / ٢/ ١٤٤٢هـ

    المعلم من أكثر البشر إنسانيَّة؛ كيف لا وهو يتعاطى مع أجيال إنسانيَّة بحتة.. فهو من يتولى تشكيل عقول الأجيال على الصورة التي وضعتها الخطة العامة للتعليم وهو صانع الحضارة ومنتج التنمية.

   ومن أجل ذلك تهتم الدولة بإعداده وتأهيله علمياً وتربوياً ومسلكياً حتى يستطيع أن يؤدي رسالته على الوجه الذي يُرضي الله ثم المسؤولين ويرضى عن نفسه شخصياً.

   ولأن المعلِّم حجر الزاوية في نهضة الدولة ورقيها فلابد من الاعتناء به وإعطائه حقوقه المستحقة من احترام وهيبة وتقدير وإن لم يُعْطَ حقوقه كاملة غير منقوصة تكون الجهات المعنية به قد ظلمته وينشأ عن ذلك أَنَّ الأجيال تتشَّكلُ وفق لمسات يد مرتعشة، وقلب يشعر أن هناك أشياء يُراد لها أن تُنهكه، وتثير الشكوك حوله، وتشير إليه بتهمة الضعف والتهاون.

    وعليه فمتى أُعطيَ المعلم حقوقه المادية والمعنويه التي تتناسب مع جهوده وتأثيره في صنع الأجيال الذين هم عماد الحياة فإن همَّه سينصرف بالكليَّة إلى عمله والابداع فيه؛ أما إذا لم يتحقق له ذلك فتصبح حقوقه هي همُّه وأحلامه وأحاديثه الصامتة على اعتبار أن عمله يختلف كثيراً عن الأعمال التي يؤديها بقية موظفي الدولة؛ فهو يتعامل مع طلابه ويعاملهم كأبنائه وإخوانه يساعدهم ويتعاطف معهم ويقوم بأعمال ليست من أساس عمله، ولكن الجانب الإنساني يغلب عليه، وقد رأيت نماذج من المعلمين الذين يضربون قمة العمل الإنساني والتربوي والأخلاقي ومن ذلك.

   ما رأيته من أحد المعلمين وهو ينحني باتجاه الأرض، ويربط بيديه الحانيتين حبل جزمة تلميذه المعاق !.. ورأيت مَنْ يدفع من ماله الخاص ليشتري الهدايا الثمينة، حتى يُعزِّز بها معاني التميُّز والتفوُّق في نفوس طلابه ذوي النباهة والقدرات العالية.. ورأيت مَنْ يرعى موهبة طالبه الأديب، ويُثني عليه، ويُهديه الكتب، حتى يُنمِّي بذرة الأدب في نفسه.

   وعلمتُ عمَّن يسهر الليل ليكتب لطلابه عصارة الكتب، ويسهِّل لغة المراجع، لأنّه يرى أن هناك معلومات يجب أن يعلموها، ومقدمات يجب أن يعُوها قبل الدخول في تفاصيل المنهج!

    وهناك مَنْ يخرج من بيته إلى المستشفى ليزور طالبه المريض، وآخر يبكي على طالبه المتوفَّى، وذاك معلم يجلس يُعلِّم طلابه فنون الرسم وفنيَّات الزخرفة في غير وقت الحصة ويرعى مواهبهم، وأن بعض المعلمين من يتواصلون مع طلابهم في منازلهم في زمن التدريس عن بعد؛ لشرح ما لم يعلموه من المادة التي يدرسونها؛ أو يحاولون مساعدتهم في تجاوز صعوبات تقنية التدريس عن بُعد.

   وأعلم أن مِن المعلمين مَنْ يتحدث لطلابه عن بر الوالدين والخلق الرفيع والبعد عن الشبهات ومواطن الزلل حتى تدمع أعينهم البريئة، ويقررون التغيّر، دون أن تكون هذه الأمور من ضمن المنهج الدراسي المقرر.

   لكنني أتساءل: لو علم الأب أن سبب تغيُّر ابنه إلى الأفضل سلوكياً هو ذاك المعلّم، فهل سيتحدَّث في المجالس عنه بالطريقة المستهجنة التي تُشوِّهُ صورتَه في عيون الآخرين؟ كما يفعل بكل أسف بعض أولياء الأمور .!!بل هناك من الآباء من ترك عادة التدخين ، وغيرها من العادات السيئة ، بسبب نصيحة من ابنه أودعها أذنَه مُعلِّمٌ مخلصٌ، يدرِّسُ مادَّةً لا علاقة لها بمادَّةِ ( النيكوتين )!

   وأعرف، وأعلم، وأسمع؛ وأنت كذلك عن هذا الإنسان الذي لولا الله ثم اجتهاده ، واهتمامه ، وإنسانيَّته ، لم تنهض أُمَّةٌ، ولم يتطوَّر شعبٌ، ولم يتشكَّلْ واقعٌ .

    والمعلم هو الإنسان الوحيد الذي تُتاح له من الفرص لخيانة الأمانة ما لا تتاح لغيره ! وذلك بما يودعه في أذهان طلابه من مباديء وأفكار هدَّامه إن أراد ذلك، ولكنَّ معلمي بلادنا ولله الحمد بعيدون عن ذلك كل البعد ، ولا يسلكون هذا الطريق لا لشيء إلا لأنهم صادقون مخلصون لدينهم ووطنهم ومواطنيهم.

    ومن أجل ذلك كله أصبح لزاماً على الجميع الاحتفاء بالمعلم بصورة رسمية من وزارة التعليم وبمساهمة وسائل الإعلام المختلفة وعدم الاكتفاء بالاحتفالات بين جدران المدراس؛ كما هو حاصل الآن.

    ومن المعلوم أن مايُقال عن المعلمين يُقال عن المعلمات اللاتي يتساويْنَ في تنفيذ العملية التعليمية والتربوية والأدبية مع المعلمين..  فشكراً لكل معلمينا ومعلماتنا وبارك الله جهودالجميع .

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

هشاشة العظام (تخلخل العظام)

إعداد أخصائية التغذية : رقية علي بوحسن.      تعريفه: هو نقص في كتلة العظام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *