آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / السراب لغة الهروب

السراب لغة الهروب

بقلم: أ. جواهر الحارثي.

    قرأت في أحاديث كثير من الشخصيات الحالمة، ذات الأروح الطموحة لغة الإصرار والتحدي، والتي تقودهم إلى الاستمرارية والمتابعة، إلا أن تلك الشخصيات انقسمت من حيث طبيعتها إلى قسمين، منها من يسير على خطى ثابتة وهدف معلوم، ومنها من يتبع سرابا وهو يعلم أنه سراب..!

   السراب ظاهرة ضوئية معروفة لدى الجميع في معناها الظاهري، لكنها في الواقع قد لاتزال سراب معرفي عند الكثير، حتى أنهم يعيشونها على المستوى الشخصي في اللاشعور، حيث تتمدد هذه الظاهرة في الإنسان بشكل خفي، تبرمج تصرفاته وتؤثر في قراراته دون وعي كامل منه بوجودها وبما سيترتب على حياته من نتائج استمرارها، ذلك تحت ظل الأوهام التي يتمسك بها لإشباع حاجاته.

    الإنسان بطبيعته يميل الى كل ما يتفق مع قناعاته وأهوائه، والتي ليس بالضرورة أن تكون صحيحة أو متسقة مع هويته وإمكانياته وقدراته، سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو المهني، وقد تكون تلك الأوهام أيضاً ذات اتجاه معاكس لمسار حياته الصحيح، أو بالأصح مسار واقعه الفعلي، وبالرغم من ذلك تجده يستمر فيها، بل ويصنع منها عالما متكامل الأركان، يتعايش مع تفاصيله ويبدع في تخطيطه، يتمسك بذلك العالم أشد من تمسكه بواقعه، وقد يقاتل من أجله، وبالتالي لاشك أنه سيبني كذلك على تلك الأوهام قرارات قد تكون مصيرية، على أمل الوصول لهدفه “حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا”..

     ذلك حال كثير من الشخصيات التي تمارس الهروب من الواقع إلى السراب؛ تتشبث به كنافذة أمل لحياة يرجونها، ذلك لا يعني على الاطلاق فشل في حياتهم، أو نقصا يحتاج إلى الكمال، قد يكون طموح يفوق واقعهم، يحاولون أن يتخذوا له مسارات حيوية خارجه عن المألوف، إلا أن تلك المسارات التي يلجؤون اليها بكل أسف، مسوّرة بسياج الواقع الذي لا مفر منه إلا إليه، فالهروب إلى السراب ليس إلا سراب، يشكوه صاحبه بعد فوات الأوان، لذلك كان لزاماً على الشخصيات الحالمة، أن تحرص على تحقيق التوازن بين العقل الواعي والعقل الباطني، وتصمم مساراتها المستقبلية بأفكار أكثر موضوعية لا تتمحور في حنايا شخصياتهم فحسب، كذلك يجب أن تكون منطقية يقبلها الواقع ويمكن تحقيقها، فتلاشي نتائج الخطط الوهمية، سيكون أسرع من تلاشي صورة الماء التي يعكسها لنا ضوء الشمس على الأرض تحت تأثير شدة الحرارة عند الاقتراب منها.

     مسك الختام:

    الاستمرار في اتباع السراب، فاقد زمني لا يسهل تعويضه، نستطيع أن نحقق طموحاتنا بالتركيز على الحقائق، واستثمار معطيات الحياة لتجديد قدراتنا الكامنة في ظل الأوهام.

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

وهو خير لكم

بقلم: أ. منيف الضوي      توفيت والدته وهو لا يزال يتعثر بخطواته، فنشأ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *