آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / ماذا لو كنتُ “وصية إنسان”؟

ماذا لو كنتُ “وصية إنسان”؟

بقلم: أ. أفنان جميل.

   إني تلك البرقيةٌ المنتظَرَة ذات فحوى بالغةُ الأهمية ،كلماتٌ رُصّت بعناية و بين أسطري أحملُ أحرفاً هي كلُّ ماتبقى من ذلك الراحل كإرثٍ ثمين ..

   اُودِعتُ في بريد العالم كرسالة إلى البشرية، دوِّنَ في قلب صفحاتي صوت إنسان يهمس في أذنِ أخيه ناصحاً بكلمة الحب قائلاً: إليكَ يامن تشبهني في الخلقة والتكوين والشكل والملامح والوجود ،المختلف عني بالجوهر والأسلوب والتفكير والمنطق والأثر ..

    حين يغيبُ إسمي أو ربما اليوم قد حان .. فأنت الآن تقرأ أحرفي وليس لي وجودٌ على ظهر هذهِ الأرض ،تحملني الآن في باطنها وقد أختفى أثري ونسيَ الناسُ إسمي سوى ثلةٌ من الأهل والأصحاب، انتهت قصتي كقصص البقية، رحيلي كرحيلهم ووداعي لا يختلف عن توديعي لهم، انطلقتُ إلى الضّفة الأخرى مابين الحياة والحياة أنتظرُ أموراً مغايرة عما عشته ولا أعلم ما سأعيشه، إني غِبتُ تحت الثرى ولم تنقرض البشرية بفنائي ،ولم تكفُّ عقارب الساعة عن الركض والثواني والساعات عن الهرولة، لم تتغير سنّة الليل والنهار عن التعاقب ولا اختلاف الفصول.. بل كل شيء كما تركته إليك أيّها البشري .. أنت خليفتي وخليفةُ من رحل ،سفيرُ الإنسانية على هذا الكوكب .

   قل لي بربك إن تجرّدت مما يميزك “انسانيتك وتراحمك وتعاطفك ما يفرق بينك وبين من يقاسمك الحياة ويشاركك الوجود ! ما الداعي من إنسانيتك إن كنتُ مؤاتياً حق أخيك مجحفاً في حق ربك ! ..

    تُغيّبُ عقلك وتصنعُ من هواك إلهاً لا تسجد له ولكن تتبعهُ مغمضُ العينين متى مادخل وغاص في عمق الظلمات وبحار الذنوب غرقت ورائه … وإذا ما اختبأ في كهوف المعاصي الحالكة أقتحمتها دون تردد، ألغيتَ عمل فؤادك المبصر وإخترت أن ترى بعينيك مايراهُ الجميع دون أن يكون بداخلك رقيب، في القطيع تسيرُ دون تخيير بلا حول ولا قوة ولا رأيٍ ولا فكرْ ،تعيشُ مثلهم ،من أجلهم ،قل لي هل هذهِ هي الحياة الحقّة برأيك ؟

    أيّها الإنسانُ قد عرفت عدوّك منذ اللحظة الأولى . وقد وضع بصمتهُ عليك بسطوّته وكيف ترضخ لمشورتهِ الخائبة.

    كن على يقينٍ أن ماهذهِ الحياة سوى ساحةُ معركة ونحن في نزال مستمر مع هذا العدو الذي لن يكفَّ عن قتالك وأعلم أن كيدهُ ضعيفٌ كما قال عنه ربنا.

    ثم دعني اسألك من أنت ؟ وماهي رسالتك ؟

    هل فكرت يوماً عمّ ستوّرثهُ لمن يأتي بعدك ؟

    دعني أخاطبك بلغةِ زمانك؛ صفحاتك الإلكترونية بماذا ملأتها؟

    اسمك بماذا ألحقته وأي نوعٍ من الأثر تركت ؟! هل كانت القضية مجرد أرقامٍ تتزايد .. وأتباعٌ يقفون خلفك يومئذ ؟!

   لو عشت يا صاحبي من أجل رسالة واحدة بهدف سامي وناضلت وكافحت لإيصالها وترسيخها في نفوس من حولك بما يرضي الله، تنام قرير العين

   وإن رحلت لديك أمل لعل تلك تكون شفاعة لك برحمة الله

   لعلّك فكرت برصيدٍ جاري وتجارةٍ رابحة وصفقةُ عمرٍ لايعقبها ندم .

   فكّر مليّاً بإعداد مشروع حياتك والتسويق لها وكن على أهبة الإستعداد فإما أن تجثم خائباً في منتصف الحياة أو ترحل وأنت الفائزُ في مسابقة الحياة.

   عِش أيها الإنساني بمشاعر الإنسانية وكن لائقاً بمسمى إنسان وكن مستحقاً للقب مسلم ليس مجرد دينٍ تنتمي إليه.

   لا يكتفي أحد من ملذات الحياة، وكلنا ذلك المغترّ بطول الأمل، لكن من تعلّق قلبه بجنةٍ عرضها السموات والأرض لن يتحسّر على محطةٍ مزهرة قد فاته فيها بعض المُتَعِ الزائلة.

    وهمستي الأخيرةُ لك :

   عِش متسامحاً جابراً للقلوب غافراً للزلل..

   طيّباً هيّناً ليناً، اغفر، حِب، إعط، تجاوز، تبسّم، اقض حوائج المارّة.. فلا تعلم أيُّ معروفٍ ستبقى تحت ظلال أجوره إلى يوم الدين.

    فنحنُ نُحسِنُ لأننا عابرون يهمنا طِيب الأثر وما يحيي ذكرنا بعد حين.

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

وهو خير لكم

بقلم: أ. منيف الضوي      توفيت والدته وهو لا يزال يتعثر بخطواته، فنشأ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *