آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / الشَّيطان ناصح!

الشَّيطان ناصح!

  بقلم: د. محمد السيد.
مؤلف، وباحث لغوي واجتماعي
@masayed31

    صار من المعهود اجتماعيًا سمَاع النُّصح من كلّ من يصل إليه طرف القصة أو المشكلة! فتجد الصغير والكبير، والأعزب والمتزوج، القريب والبعيد، الصديق والعدو، كلٌّ يُدلي بدلوه، ويقدِّم النصيحة، وقد يبدأ حديثه بقوله: لو أنا مكان فلان أو فلانة كنت فعلت كذا وكذا.. وهو لا يعلم عنه إلا طرف علم لا يقدِّم ولا يؤخِّر!!

      وأكبر مسبب لتلك الحالة الاجتماعيَّة هو القيل والقال، وتناقل الأخبار –خاصة بين أوساط النساء- فإذا بجميع الناس مستشارين تربويين، ومتخصصين نفسيين، وخبراء في مجال الاستشارات الزوجيَّة!! ويكاد ينطبق عليهم حينها قوله تعالى واصفًا حال مَن تلقَّوا حادثة الإفك وخاضوا فيها: “إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم”، فهم يتلقفون الخبر بألسنتهم لا بآذانهم، فتنطلق ألسنتهم خوضًا فيما لا يحسنون، وحديثًا عما لا يعرفون، فإذا هم يلعبون في جراح النَّاس، ويهدمون بيوتًا من حيث يجهلون معنى أن تكون تلك الكلمات سهامًا مسمومة تصل لقلوب غافلة، أو تخترق نفوسًا ضعيفة فتفعل فيها الأفاعيل! ثم يزيد على ذلك دخول الشيطان في ثوب ناصح أمين؛ فهو لا يأتي بوسوسته في غير ذلك الثوب البراق اللامع حتى ينفث سمومه بعد أن يمهِّد بمدخله المعتاد الذي نفذ منه إلى أبينا آدم –عليه السلام-: “هل أدلُّك على شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى”؟، فهو لا يأتي إلا في ثوب ناصح أمين فإن لم يكن لدى المستقبل ما يميز به –بعد عناية الله له- فسرعان ما يقع في شراكه، وهكذا يأتي شياطين الإنس كذلك “يوحي بعضهم إلى بعض زُخرف القول غرورًا”.

    ومن هنا وجب أن نُجلِّي بعض تلك المداخل التي يمكن معها التفريق بين ثوب الناصح الأمين، وثوب الناصح الشيطانيّ! فمن ذلك:

–     التنبُّه إلى أن مَن يتعجَّل بتقييم مالا يعرف، أو الخوض فيما لا يدرك تفاصيله، أنه صوت شيطاني، وإن تظاهر بالصلاح والإصلاح!

–     الصوت الشيطاني يسعى إلى الهدم قبل البناء، ويُطلق الأحكام العامة، فتراه يقول: الأفضل الانفصال، أعرف الرجال لا يصلح معهم الفرصة الثانية! لابد أن تتأدب تلك المرأة، كل نساء هذا الجيل ما تربوا… إلى آخر تلك العبارات الهدَّامة، والأحكام الجاهلة.

–     النَّاصح الحق في الأمور الزَوجيَّة يقدِّم حُسن النيَّة، ويحاول جمع نقاط القوة لدى كل طرف، واللعب بالأوراق الرابحة بين الزوجين، وطول النَّفَس في الحل، في حين أن الصوت الشيطاني يضخِّم العيوب، ويثير المشاكل القديمة، ويُغلق جميع أبواب الرجاء والأمل!

–     الصوت الشيطاني يستشهد بعنتريات فارغة، وقصص ينقلها عن وكالة (يقولون)، دون تمحيص لمقولاته أو نقولاته.

–     الناصح الصادق مبدؤه الشرع الحكيم قرآنًا وسنَّة، ومنهله قصص بيوتات النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، في محاولة للاقتداء، واقتباس الدروس المستفادة، ومقاربة الواقع، في حين أن الشيطاني مبدؤه تجاربه الذاتية في محيطه الضيق، ومرجعيته عاداته التي تلقاها من محيطه أيًا كان، وبلغ ببعضهم معالجة المشكلات الزوجيَّة بما شاهده في المسلسلات، ويقتبس منها الحلول!!

–     الناصح الصادق ينصح في السِّر، ويرسل في الخفاء، والشيطاني يقدم النصيحة للملأ، وينشر الفضائح؛ بل يزيد من عنده مذاقات خاصة تجعل القصص أكثر تشويقًا، وأكثر جذبًا، وكأن العبث بخصوصيات الزوجين مسموح به طالما نيته أن يقدِّم النُّصح!

    إن من الأدوار المهمة التي يغفل عنها العقلاء في أتون المشكلات الزوجيَّة دور (الإطفائيّ) الذي يقوم بإخماد الحرائق التي يذكيها الأقربون والأبعدون على حدٍّ سواء، وقطع الطريق على كل متربص ونافخ للكير، وتقليل فرص الناصح الشيطاني لهدم البيت الزوجي، وهذا الدور وربي لا يحمله على عاتقه إلا أنجاب القوم، وأشراف الناس، وأصحاب المعادن الأصيلة، وما أقلهم!

 

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

-واحدٌ وتسعون ربيعًا من الفخر

بقلم: أ. شهد الحمد  -أشرقت شمس الواحد والتسعون عامًا من تميزٌ وإزدهار ،هانحنُ على أرفف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *