آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / مَيِّز الأصوات

مَيِّز الأصوات

بقلم: د. محمد السيد
مؤلف، وباحث لغوي واجتماعي

      بينما الحياة الزوجيَّة في صورتها العادية أو المتميزة، وبظهور بعض الخلافات تتسرَّب بعض العبارات والأفكار على لسان أحد الزوجين مما لم يكن معهودًا من ذي قبل! حوارات على ألسنة مجهولين.. مَنطِق غريب لم يُعهد أن تحاور به! هنا ينبغي أن يكون الزوجان –في تاريخهما السابق- قد عرفا مَنطِق بعضهما، بل قد يصل ببعض الأزواج -أو الزوجات- أن يكون قد (حَفظ) شريك حياته، فهو يعرف ماذا سيكون تصرفه في الموقف الفلاني، أو عند حدوث الأمر المعين، أو كيف سيجيب إذا سُئل عن كذا وكذا.. وهذا أمر محمود ينبغي استحضاره حين حدوث أي خلافات، بل جعله إستراتيجيَّة للعفو والتَّسامح وذلك من خلال إستراتيجيَّة (تمييز الأصوات)!

     فبمرور الوقت تعرف الزوجة مُدخَلات الزوج، وأعزّ أصدقائه، ومصدر استشاراته، وبشكل عام موجز أهم الحوارات التي تُدار في تجمعاته! وكذا الزوج الحصيف يعلم ذلك عن زوجته، ونصائح أمها، وحوارات أهلها، واهتمامات رفيقاتها، وهذا سيمنح كلا الزوجين مقياسًا (شبه دقيق) لمعرفة مصدر ما يُقال عند الخلافات، ومن الذكاء استثمار تلك الأداة لحل الخلافات ووأدها في مهدها قبل أن تستفحل ويستعصي حلها.

      يحكي لي أحدهم يقول: لم تكن زوجتي تُعنى بالماليَّات والماديَّات وتقيس بها حبّي؛ إذ لم أكن أبخل عليها، ولم تكن تشكُّ في اهتمامي البالغ بها وبأسرتنا، لكني حين أقدمت على التَّعدُّد بعد سنوات من زواجنا النَّاجح إذ بها تستحيل امرأة غير التي عرفت! غضبت.. ثم هجرتني.. ثم وضعت شروطًا لعودة حياتنا! فصاغت شروطًا ماليَّة، وأخرى تتعلق بالأثاث والمشتريات، وثالثة تتعلق بالذهب والمجوهرات!! وبعد تفحص الأمر علم أن ذلك كان صوتًا شيطانيًا جاء على لسان إحدى الصُّويحبات النَّاصحات! فكانت تلك المعرفة كفيلة بضبط مشاعره، والدخول معها في حوار أبطل كيد الشيطان وزمرته، وعاد البيت ساكنًا مستقرًا ولله الحمد.

      إن لكلٍ منا أسلوبًا لا تخطئه أُذن مَن يُخالِطه، ومنطِقًا يدركه كل مَن يحبّه، فكما يُقال: “الرجل هو الأسلوب”، و”تحدث كي أراك”، ولذا فإن القدرة على تمييز الأسلوب يجعلنا أقدر على التعامل مع المشكلات التي قد تعصف بحيواتنا إن لم نضبط انفعالاتنا، فتلك المعرفة تمنحنا قدرًا كبيرًا من مسامحة الآخر، كما أنها تساعدنا في دحض الشُّبه التي قد تتسلَّل لبيت الزوجيَّة ثم لا تتركه على حالته.

     ووجه آخر لاستراتيجيَّة تمييز الأصوات تختصر على الشَّريكين فهم بعضهما، فحالات الزَّوج المزاجيَّة لها تعبيرات تتجسَّد في صورة صَمْتٍ أو نَبرة صوت، أو لغة جسد الوجه، أو تصرفات أخرى ينبغي على الزوجة الذكيَّة فهمها، ومن ثَمَّ مراعاة الظَّرف الانفعالي، وكذلك على الزوج الذكيّ فهم ذلك من زوجته، وتمييز صوت حبِّها، من صوت دلالها، من صوت فضفضتها، والتَّعامل وفقًا لذلك الصوت؛ لضمان النجاح الحواريّ، وتخفيف الانفعالات السلبيَّة، وكان الإمام الشافعيُّ –رحمه الله- يعجبه قول أبي الأسود الدُّؤلي لزوجته:

خُذِي العَفـــــوَ منِّي تَستــدِيـمي مــــودَّتي  …  ولا تَنطقِي في سَورَتِي حينَ أغضَبُ

فإنِّي رأيتُ الحُبَّ في الصَّدر والأذى  …  إذا اجتَمــعَا لم يلبَثِ الحُبَّ يَــذهَبُ

      ولنا في رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد قال يومًا لأحبّ الناس إلى قلبه أمِّنا عائشة –رضي الله عنها-: “إنِّي لَأَعْلَمُ إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قالَتْ: فَقُلتُ: مِن أيْنَ تَعْرِفُ ذلكَ؟ فقالَ: أمَّا إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، فإنَّكِ تَقُولِينَ: لا ورَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لا ورَبِّ إبْراهِيمَ قالَتْ: قُلتُ: أجَلْ واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، ما أهْجُرُ إلَّا اسْمَكَ”، ولك أن تتخيَّل –أيها الكريم- كيف كان حديث زوجته –رضي الله عنها- محلَّ عنايته وتحليله! وكيف ميَّز صوتَ رضاها من صوت غضبها! وهو رسول الله الذي يحمل على عاتقه eهموم الدعوة للثَّقلين، في حين ترى بعض الرجال اليوم لا يَأبه بحديث زوجته، وليس في صدره سعة تجعله يُنصت لحديثها فضلًا عن تحليله وفهمه!

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

الاستثمار الفكرى ..طاقة وطنية

بقلم:أ. عبير الهاجري تمتلك بعض التطلعات استثمار فكري .. يجب أن يتم تطويره، والمسير به …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *