آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / مات أحمد…دون زوجة وبلا ولد (الجزء الثاني) .

مات أحمد…دون زوجة وبلا ولد (الجزء الثاني) .

بقلم: أ. سالم جيلان أبو يزيد

 

توقفنا في الجزء الأول من قصة *”أحمد”* رحمه الله عند جلساتنا الجميلة معه وتذوق طعم الكبسة الرائعة التي يصنعها بعناية وارتشاف الشاي المنعش في أجواء رائعة وجميلة… ووعدناكم باستعراض بعض المواقف العصيبة التي عاشها رحمه الله تعالى في فترات متفاوتة من حياته في هذا الجزء من قصته.

كان _*”أحمد”*_ يحكي لي الكثير من مواقف حياته وعن دلال والديه له كونه الابن الذكر الوحيد ولأن والده رحمه الله في حقبة زمنية قديمة قضى جُلَّ عمره في العمل مع ملاك الإبل وهم من الأغنياء في ذاك الزمان فيقول بأنه عاش مُدللًا ومُنعمًا لكن ظروف والده اختلفت بعد مدة ففقد بصره وأصبح حبيس منزله وفقدت أمه حاسة السمع واضطر _”أحمد”_ لمرافقة خاله والعمل في تشييد المباني كعامل مساعد لخاله لسنوات وبعد ذلك اكتسب أساسيات المهنة وأصبح بنَّاءً يعقد الصفقات آنذاك ويكسب الكثير من المال ولم يهتم للتعليم والدراسة ولم يلحق بعمه في جدة وعاش في صبيا بإقامة يمنية حرة حاله حال الكثير من المواليد اليمنيين في السعودية وظل يكافح ويعمل حتى جاءت _”أزمة الخليج”_ الشهيرة والتي حدث فيها غزو العراق للكويت وتبدلت أوضاع المقيمين اليمنيين في السعودية وغادرها الكثير لرفضهم إيقاف الإقامة الحرة بينما ظل _” أحمد”_ رحمه الله ضمن الأعداد التي بقيت آمنةً مطمئنة للعيش في السعودية ورغم أن بعض أبناء عمومته كانوا قد حصلوا على الجنسية السعودية إلا أنه آثر نقل كفالته والعمل لدى أحد الأشخاص من أبناء صبيا وواصل مشوار حياته في التنقل على دراجته النارية هو والعامل الذي يعمل معه كل مرة في حي أو قرية يبني بيتًا أو يقيم جدارًا أو يرمم دارًا ولعل أشهر أعماله في هذا المجال كانت من خلال صب الأرضيات بنعومة متناهية بالإسمنت الأسود أو تصميم وبناء تنانير الخمير واللحم والتي تسمى في منطقة جازان _”الميفى”_ أو الموافِيَّة باللهجة الدارجة واشتهر بها كثيرًا كمعلم محترف في تشييدها بالبلك والإسمنت وهي التي كانت تُبنى بالطين والفخار فقط بينما يقوم هو بوضع تنانير الفخار داخل المبنى بطريقته الخاصة.

تعرض “أحمد” للظلم مرات ومرات في حياته وكنت شاهد عيان لا حيلة لي ولا استطاعة في إنصافه أو رد ذلك الظلم عنه لأنني وقتها صغير في السن ولا أمتلك القوة أو الأدوات التي تساعد في درء مظلمة أو نصرة مظلوم… ظلم القريب أشد مضاضة على القلب وله وقع في النفس ويترك أثرًا بالغًا وجرحًا غائرًا.

 

بينما كان ذلك المسكين يعود وقت الغروب بعد عناء العمل طوال النهار ويقوم بتحضير مجلسه وإعداد طعامه بيده ثم يتجه لجلسته المعتادة منعزلًا في زاويته المعهودة نتحين نحن الفرصة للجلوس معه فعندما يكون في سلوة خاطر ونفسيته منشرحة نحظى بجلسةٍ لا مثيل لها وأما إن كان منفعلًا أو ثمة مشكلة حدثت بينه وبين زبون عابر يطلب قطع غيار أو نشب خلاف بينه وبين أحد الأهل والأقارب فإننا نحذر الاقتراب ونبتعد عنه…. انفعاله سريع وغضبه شديد ومزاجه يتعكر من أبسط الأشياء والتعامل معه صعب فنتحاشى جرح مشاعره أو إيذائه بقصدٍ أو دون قصد لكنه لا يؤذي أحدًا ولا يتعمد إثارة المشاكل إضافةً لانصرافه رحمه الله عن مخالطة الكثير من أهالي الحي طوال السنوات التي انشغل فيها بالعديد من الأعمال لدرجة أنه كان يرفض الكثير من أعمال البناء التي تأتي من الحي وبعض الأحياء المجاورة حتى لا يقع في حرج أو خطأ أو غبنة حساب أو اختلال في اتفاق.

 

نعود لقصص الظلم وحكايات القهر التي تعرض لها رحمه الله فقد استمر هو في نهجه وعمله وعقب انقضاء أزمة الخليج عاد أحد أقاربه لصبيا ومارس بعض الأعمال ومنها عمل مخالف للنظام مما جعله تحت طائلة القانون وتمت ملاحقته لكنه لاذ بالفرار وأثناء البحث والتحري عنه تم إلقاء القبض على _”أحمد”_ رحمه الله ووالده الأعمى بالخطأ وبعد التأكد من مواصفات قريبهم المطلوب تم الإفراج عن والد أحمد الأعمى المسن وتأخر الإفراج عن أحمد لحين الوصول لقريبه في ذلك الوقت وظل حبيس القضبان لفترة ظلمًا حتى تم ترحيله وإبعاده عن البلد التي ولد وعاش بها قرابة الأربعين عامًا دون جناية أو ذنب اقترفه رحمه الله…. بدأت بعد ذلك محاولاته للعودة وبذل والديه وأختيه الغالي والنفيس لكي يعود لصبيا وبالفعل عاد بعد معاناة وتعب غير أنه عاد منكسرًا ،مغلوبًا على أمره خائفًاومترقبًا ووجِلًا بانتظار تصحيح وضعه ليكون مقيمًا نظاميًا وعانى سنوات طويلة فقد خلالها والده الذي مات بعد معاناة مع مرض السرطان وبعد سنوات قليلة لازمت والدته الفراش من مرضٍ عضال لازمها سنوات طويلة حتى ماتت وبقي مع أخته ينتظر الفرج وتحقق له مراده واستطاعت شقيقته التي تعيش في جدة وزوجها تحسين وضعه من جديد ولكن هيهات أن تعود تلك الأيام التي كان يمارس فيها العديد من الأعمال ويمتهن حرفًا يدوية تُدِّر عليه المال فقد تقدم في العمر وأصبح لا يقوى على شيء مما كان يعمله فاستسلم لوضعه ولزم بيته وشارعًا واحدًا في حارته لا يبرحه مهما حصل ومن أجمل ماحدث معه ملازمة المسجد والاقتراب أكثر من بعض الجيران الذين ألفهم وألفوه واعتاد الجلوس معهم وتوثقت علاقته بهم وعاش معهم حياةً جديدة لسنواتٍ معدودة لكنه عاد ليتجرع مرارة الظلم من جديد هذه المرة ومن جهةٍ غير متوقعة وبنهايةٍ مأساوية ….

 

حول هذه التفاصيل من جيران وأحباب ودوره في المسجد وعن مرارة المظلمة التي قصمت ظهره وحقيقة عزوفه عن الزواج سوف تكون لنا وقفة في الجزء الثالث والأخير من قصة _”أحمد”_ … انتظرونا.

عن مقالات وقع

مساحة يشاركنا فيها المبدعون بمقالاتهم.. وهذه المقالات تعبر عن آرائهم ولا تعبر عن رأي الصحيفة بالضرورة.

شاهد أيضاً

المستشار أحمد بن عبد الرحمن الجبير إعلامي من الدرجة الأولى

بقلم: د. عثمان عبد العزيز عبد الله آل عثمان رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لصعوبات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *